الرئيسية / ملفّات / عائشة عمارة:أحلام مقبورة

عائشة عمارة:أحلام مقبورة

 إلى أين وإلى متى!؟ العمر عبارة عن رمح إذا انطلق لا يرجع. هل نستسلم ونلقى بأحلامنا في سلّة الأحلام المنسية!؟ هل نبحث عن بديل، وإذا ما فعلنا لا نجد غير الأبواب الموصدة …
لقد أغلقت الأبواب في وجوه خريجي الجامعات، وأنا واحدة منهم. أصبحنا نهجس بذات الكابوس الذي يراه الرجل الثري وهو يخشى فقد ثروته.
لقد غدونا عقدة الحكومة وكابوسها. وغدا كلّ همّهم أن يكمّموا أفواهنا، وأن يكسبوا صمتنا بالوعود المضحكة.. فهي تصرّح بتشجيع حاملي الشهادات العليا على بعث المشاريع تضمن له العيش الكريم، لكن، تحقيق أيّ مشروع يتطلّب شروطا مجحفة، ليس أقلها إعادة التكوين واكتساب الخبرة. فالتكوين يعني تغيير الاختصاص بعيدا عن مجال تخصّصك الذي أنفقت فيها عمرا، ثم يطلب منك أن تمحوه وتتكوّن من جديد. واقعيا لا يتسنى أن نبعث مشروعا دون التعرّض للسخرية من بعضنا نحن العاطلين. لأن المشروع ببساطة يطلب دعما تمويلا وتجهيزات وتراخيص وفضاءات وكراسات شروط.. إلخ إلخ وهي شروط أقل ما يقال فيها أنّها مجحفة. فلماذا كلّ هذه الوعود الكاذبة والحكومات المتعاقبة لم تستطع أن تشغّل حتى نسبة 1 ٪ من العاطلين كلّ في مجاله؟ فمنذ سنوات وأنا أرتاد مكاتب التشغيل، لأصطدم كل مرة بعدم انطباق الشروط على مؤهلاتي. والمناصب المعروضة لا تتطابق إلا مع حاملي المستويات العلمية الدنيا، وما خفي كان أعظم.
إنهم يريدون منّا الخبرة ضرورية في أغلب عروض الشغل المقترحة، حتى في محلات بيع ملابس الجاهزة، يشترطون الخبرة في البيع والشراء والجاذبية وفنون جذب الحرفاء، دون اكتراث للمستوى المعرفي، بمعنى انخراط ممنهج في إقصاء خريجي الجامعات. فهل توجد شريحة مثلنا يتلقون وعودا لا أجل لتنفيذها لتبقى وهمية وحبرا على ورق مثل شريحتنا؟ وبالتالي هل هناك شريحة مهمشة مستغفلة مفقّرة متلاعب بها مثلنا نحن؟ نسق أعمارنا ثقيل رتيب مملّ وقاتل.. وأيّامنا تراوح مكانها بلا تقدم ولا إنجاز ولا مكسب.
حقوقنا المهضومة بسيطة في جوهرها. إذ لم نطلب أموال أحد ولا امتيازاته، ولا سيّاراته الفارهة. لا نحلم بمتع السفر وحلو السهرات وطيب الملابس. كلّ ما نطلبه أن نجد لتحقيق كرامتنا سبيلا. أن يتوفّر لنا مورد رزق يحمينا. فأصواتنا هي صرخة من أجل استرجاع الكرامة، وإدانة لمنظومتكم الفاشلة التي فرّخت جحافل العاطلين .
أنا باعتباري خريجة الجامعة التونسية، وابنة عائلة متشبثة بانتمائها لمنطقة الجنوب الغربي، مات عائلها وبقيت أزاول دراستي الجامعية وبنجاح وتفوّق. وفرحت إذ حققت حلم أبي وبررت بالوعد الذي قطعته له قبل مماته “ابنتي لا تنقطعي عن دراستك” فها أنا اليوم يا أبي ناجحة وفاشلة.
ها أنا عاطلة ولا سند لي، فهل الذنب ذنبي؟ لقد حفيت قدماي بحثا عن عمل يسترني ولا جدوى.. لقد استغلوا حاجتي والتحقت بالتدريس بمعهد للتعليم الخاص بمقابل مادي كل ما أصف به أنّه لا يكفي لشراء قفة خضار يسدّ رمقنا شهرا واحدا. ثم زادتنا جائحة كورونا همّا وقطعت رزقنا الزهيد. وصار همّنا توفير ما نسد به جوع البطون. وليكن في علمكم أنّ المساعدات الاجتماعية التي يوزعها عينيا بعض الجمعيات المحلية أو المنظمات الدولية ليس لخريجي الجامعات فيها نصيب، لأن شرط الزواج غير متوفر بل شرط العزوبة أو بالأحرى العنوسة هي الصفة الملازمة.
لماذا؟ لأن المهزلة تتكرّر بأوجه متعدّدة، باعتبار أنّ منعرجا آخر من الحياة لا يلزم الخريجين والخريجات، وهم في سن الثلاثين، كيف سيواجهون تكاليف الزواج وما بعده وهم لا يملكون ثمن رغيف خبز. انطلاقا من تجربتي كمتطوّعة ضمن الجمعيات المدنية عاملة في الحقل الاجتماعي، كنت شاهدة على الوضع بمنطقتي الريفيةّ، حيث كنت أراقب بمكتب البريد حال العائلات التي انتظرت طويلا نجاح أبنائها آملين أن يخرجوهم من الفقر المجحف والحياة المأسوية بهذه المنطقة المنسية.. باختصار إن أغلب شباب منطقتي من أصحاب الشهادات العليا. تعب من أجلهم آباء، هم مجرد عمّال يوميين. الميسور فيهم يتقاضى منحة الـ180 دينارا، ينعش بها عائلة، وله أبناء يدرسون. لقد كانت عيناي لا تمسكان الدمع حين ألاحظ بصمت تعاسة هذه الشعب المدحوض.. فما هذه الحياة التي يردوننا أن نحياها ونحن في أسفل سافلين، نعيش الاضطراب والاكتئاب في زهرة العمر؟
عائشة عمارة:أحلام مقبورة
 

عن admin_bilel

شاهد أيضاً

كورونا.. مختبر ووهان يرد على اتهامات واشنطن

نفى مدير معهد علم الفيروسات في مدينة ووهان الصينية اتهامات للمعهد بالمسؤولية عن نشأة فيروس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *