الرئيسية / ملفّات / رشيد القنوني : تونس تحت سيطرة مؤسسات غير رسمية..

رشيد القنوني : تونس تحت سيطرة مؤسسات غير رسمية..

1 ـ كل متابعي الأحداث الأخيرة انشغلت بالتطوّرات المتعاقبة بخصوص قضية تضارب المصالح المتهم فيها رئيس الحكومة السيد إلياس الفخفاخ، بداية من انعقاد مجلس شورى حركة النهضة في نهاية الأسبوع الفارط، مرورا بتحرك رئيس الجمهورية ردا على ذلك، وانتهاء بتقديم رئيس الحكومة استقالته عشية الأربعاء الفارط.

2 ـ كمتابعة لردود أفعال التونسيين على هذه الأحداث ترتسم صورة مجلس شورى حركة النهضة الذي يبدو أنّه تحوّل من مؤسسة حزبية مخصوصة إلى ما يشبه المؤسّسة الوطنية التي تحدّد مصير مؤسّسات السلطة والمسارات السياسية بالبلاد، ناهيك أن السيدة كلثوم كنّو نادت، بسخرية، أن يشارك التونسيون جميعا إلى انتخاب مجلس شورى هذا الحزب. وتفسيرا لذلك نرى أن حركة النهضة نجحت إعلاميا في التسويق للرأي العام إلى أن مؤسّستهم هذه هي من يتولّى الدور المفصلي في البلاد. وهذا كما هو معلوم لا يخفي الرغبة في إظهار هيمنة هذا الحزب على المشهد السياسي عموما.

3 ـ تقييم مؤسسة مجلس شورى حركة النهضة لا نحبّذه من الناحية المنهجية، لأن تقييم الأحزاب من خارجها يكون موجهّا لحجم أدائها الجماعي بقطع النظر عن أدوار مؤسساتها. وإنما بالغ مسيّرو هذا الحزب ومنخرطوه في استعراض أدوار هذه المؤسّسة بشكل يفضح حتى هوامشه، لاسيما وأنّ الصراعات داخله أضحت مكشوفة، بما أنّ التسريبات تفيد ما شهدته عديد الجلسات من شجارات عنيفة أدت إلى انسلاخ وجوه وازنة من قياداته.

4 ـ حجم التناقضات في صلب هذه المؤسّسة يعلمه جميع من يتتبّع الشأن السياسي العام.. وبمقدور الكثير من المتابعين أن يعرضوا المواقف والتجاذبات والحسابات والمنطق الغنيمي الذي يسود مهامها، وذلك بالرغم من أن الأذرع الإعلامية للحزب المذكور تروّج لهذه المناكفات بكونها درجة عالية من الممارسة الديمقراطية.. لكن الممارسة الديمقراطية لا يصدر عنها إلا مخرجات ديمقراطية.. ويخطئ من يعتقد أن الحلول الوسطى والتوفيقية هي جوهر الديمقراطية. وإنما جوهرها هو الاصطفاف ضمن خندق النجاعة والمصلحة الشعبية والوطنية الإجماعية.

5 ـ أن يضع مهندسو حركة النهضة هذه المؤسّسة الحزبية التي تتبعهم كمصدر للقرار الوطني يحسم في القضايا المصيرية التي تهمّ حكم البلاد وسياساته، لتكون مخرجات المداولات التي لا يمكن أن نصنفها من الناحية المنهجية إلا فئوية، مطروحة منهم كقرارات تنفيذ وطني تُجرّ لها مؤسسات الدولة جرّا. فهذا في نظرنا بلورة لمنهجية السطو الذي نعتبره سلوكا أخلاقيا حصريا في بنية تنظيم الإخوان الفكرية. ومع التأكيد بأن هذا السلوك يهمهم، ولا يعنينا منه إلا لجم التداخل بين ما هو حزبي وما هو وطني، وإنما ما نريد أن يتجلّى للقارئ أنّ هذا الحزب ومن خلال هذه المؤسّسة لا يفكّر إلاّ منفردا قدر ما يستطيع وبعيدا عن أيّ إجماع وطني، بل حتى تحالفاته لا يبنيها على قناعات بقدر ما يبنيها على إكراهات وتوريطات وتكليفات بمهام، كما هو الحال مع حركة قلب تونس وغيره ممن يؤثّثون المشهد الولائي.

6 ـ قرارات مجلس شورى حركة النهضة لا تخرج عن إرادات رئيس حركة النهضة.. لأن رئاسة هذه الحركة هي في نفس الوقت سياسية وتنظيمية عقدية، صيغتها معلومة في أدبيات الإخوان، عنوان طاعة ولي الأمر. هذا بقطع النظر عن التعبيرات التقديسية التي يدين بها بعض العوام من أتباعهم والتي لا يُبنى عليها، فهذا شأنهم وللناس فيما يعشقون مذاهب، خصوصا وأن ارتباط مسيرة حركة النهضة بسيرة راشد الغنوشي التاريخيتين لا يمكن الفصل بينهما، وهذه الرؤية يشترك فيها النهضوي وغيره. فما نريد بيانه أن المناخ النفسي والذهني في الواقع الراهن لهذا الحزب لا يسمح بالانفتاح على سجال ديمقراطي يمكن أن يتجاوز إرادة رئيسه أعني رئيس الحزب وليس شخصية السيد رئيس مجلس الشورى، الذي لا نراه داخل تركيبة النهضة سوى من خط موالاة السيد الغنوشي. وبالأحرى هو يخضع لمعادلة الرئيس هو المجلس والمجلس هو الرئيس.

7 ـ من يسير مجلس شورى النهضة حسب ما يلوح للمتابعين ليس رئيسه الرسمي المسمى رئيس مجلس الشورى. لأنه بعيدا عن منطق الشكلانية رئيس الحزب هو الرئيس الفعلي للمجلس. وأما التسميات الوظيفية لمختلف مؤسسات الحزب فهي استعراض إعلامي لهيكلة اعتيادية تقنع المتابعين أنه حزب مؤسسات بينما في الواقع حزب يرتكز على محورية موقع الرئيس وعلى الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها تنظيميا في تشكيل الحزب وإعادة تشكيله. وهو من يختار رؤساء المؤسسات الحزبية من بين عناصر الخط الموالي له داخل تيارات حزبه. وليس غريبا أن تسمع في بعض الأحيان أصواتا من داخل حركة النهضة تعبر عن عدم الرضا عن انفرادية رئيس الحزب في اتخاذ القرارات، على غرار ما حدث في ماي الماضي بخصوص قرار حل المكتب التنفيذي.

8 ـ إن تونسة الحياة السياسية بالمنطق الذي يريح التونسيين ويحسّسهم بالتوازن هو ما يضمن مدنية الدولة ودمقرطة الحياة السياسية وفق رؤية تونسية تعلي قيمة الوطن وتذود عن سلامته بكل الأشكال، هو القناعة المشتركة التي يشاطرها كلّ المعنيين بالفعل السياسي. فالمفروض أن تخضع لقدر كبير من الإجماع الوطني وفي مناخ من الوطنية الصادقة. لكن أغلب رؤى ومواقف وتوجهات مجلس شورى حركة النهضة لا يصدر إلا عن أجندات خاصة وفق تحليلات خاصة واصطفافات في معظمها، وبعد تتبعها، لا وطنية بمعنى إيديولوجية وإقليمية.

9 ـ مجلس شورى حركة النهضة يعتبر هيكليا المؤسسة التي تلعب دور سلطة القرار بالقياس على الهياكل التنفيذية. وهذه التسمية تنفرد بها حركة النهضة كحزب يتآلف مع المرجعية الإسلامية. وأغلب الأحزاب التونسية تعبر عن مثل هذه المؤسسة لديها بتسمية المجلس الوطني. إن تسمية مجلس الشورى مستمدة من عمق المخزون التراثي السياسي الإسلامي، ووقع تداولها في أدبيات الفكر الإصلاحي الحديث. لكن ما ننوّه له أن مدلول مجلس الشورى في فكر خير الدين باشا مثلا يتطابق مع ذات الدلالة التي يعنيها البرلمان في أوربا كسلطة رقابية وتشريعية حاسمة ومجسمة للسياسة الديمقراطية. أما الشورى الإسلامية فهي تمر في معظمها بتاريخ من الخيبات باعتبار أن الحاكم يعين أعضاءها من بين عصبيته وأهل شوكته فيكونون بذلك ممثلين له وليس لرعيته. فهل بهذا التمثل يطرح حزب النهضة دور هذه المؤسسة التي وضعت أساسا لجهاز الدولة وليس لجهاز حزب؟ بمعنى هل يتبنى التمثل النهضوي الطرح الذي يقول أن الحزب هو الدولة والدولة هي الحزب، علما أنه ذات الطرح الذي فرضته الأنظمة الكليانية الشيوعية والفردانية في الحقبة الماضية القريبة؟

بقلم رشيد القنوني

عن admin_bilel

شاهد أيضاً

كورونا.. مختبر ووهان يرد على اتهامات واشنطن

نفى مدير معهد علم الفيروسات في مدينة ووهان الصينية اتهامات للمعهد بالمسؤولية عن نشأة فيروس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *