الرئيسية / مقالات / د. السيد التوي لماذا فشل الآخرون ونجح قيس سعيد

د. السيد التوي لماذا فشل الآخرون ونجح قيس سعيد

فشل الآخرون لأنهم لعبوا بمشاعر الشعب الدينية ورموا بأبنائه في محرقة الإرهاب والأفيون. فشلوا لأنهم تحالفوا مع من سبق لهم أن سخروا من الشعب وأجهضوا أحلامه البسيطة فشل الآخرون لأنّ جزءا من الشعب وثق في لحظة ما بأنهم منحازون له …ثمّ اكتشفوا أنهم كائنات من ورق تلطخت بأدران الزعامتيّة والوجاهة الكاذبة في قنوات العهر والسمسرة فشل الآخرون لأنهم احتقروا هوية الشعب وثقافته وانبروا يدافعون عن قضايا لا تعنيه …لأنهم يدّعون المنافحة عن الفقراء وهم في حقيقة الأمر ينبذونه…كانوا يتكلمون في النزل الفاخرة عن مشاكل الطبقة المضطهدة….كانوا ينسون ما يتشدقون به بمجرد أن يفرغوا من خطبهم الرنانة فشل الآخرون لأنهم غُفْل، فإذا كلمتهم عن تعطل المرفق العمومي انتهوا بك إلى الحديث عن الهوية العربية والقضية الفلسطينية وإن حدثتهم في شأن صغير وتفصيل دقيق يتعلق بمشاكل الناس استعرضوا لك أقوال الفلاسفة والحكماء وأمطروك تنظيرا وعادوا بطبيعة الحال إلى الصهيونية وتآمرها على العرب ….

فشل الآخرون لأنهم صدموا أبناء الشعب، فمن كنا نظنه عالما فذّا وأستاذا فطحلا رأيناه يطل علينا من شباك صغير ليخطب فينا بعد أن أجّر عقله للفاسدين والعابثين…هؤلاء تحنطت عقولهم وصارت مؤخراتهم أكثر مرونة لاعتلاء الكراسي صاروا بعد أن كانوا أسيادا في مسارحهم مجرد خدم لطغمة من الجهلة … فشل الآخرون لأنهم انبطحوا للأجنبي وأكلوا من موائده صاغرين … فشلوا لأن الثورة كشفت أنهم ما عارضوا لأجل الشعب بل من أجل المواقع، لأن الثورة برهنت أن نضالات الأمس كانت مجرد وهم احتضنته أيادي الاستعمار ….. فشل كذلك الآخرون الصادقون من كل فريق من الفرق التي ذكرنا لأنهم لم يغادروا النقاء الثوري واستمروا بوصفهم حالة إيتيقية أكثر من كونهم حالة ثورية ….استمروا في رفع اللاء العريضة دون تقديم بدائل واستعاضوا عن العمل الميداني بالتحليق في سماء الأمنيات، كانوا غرباء عن الشعب الذي من المفترض أن يمثلوه ….

فشل أيضا الذين يريدون العودة إلى الوراء في حركة منافية للتاريخ والمنطق …فشلوا لأنهم ازدروا دماء الشهداء لأنهم لا يؤمنون إلا بفكرة واحدة لا بديل عنهم …فشلوا لأنهم يريدون الانتصار بلاعبين عوّدونا على الخسارة دائما….فشلوا لأنهم لا يسمعون إلا طنين رؤوسهم… فشلوا جميعا يمينهم ويسارهم ووسطهم وعاليهم وسافلهم وصغيرهم وكبيرهم … فشلوا حتى لم يبق للشعب التونسي من خيار إلا الانتصار لرجل يشبههم …لم يبق له من بديل إلا الصدق….لقد شبع من كليشيهات الثورة والثورة المضادة حتى تقيأها …لقد كلّ وملّ من التناقر والتنافر والتنابز حتى صارت كلمة سياسة عنده رديفا للتحيل والكذب والخداع وقلة الحياء …لقد طفح كيل الشعب حتى بات يمقت الديمقراطية ومتعلقاتها …. نجح قيس سعيد لأنّ الآخرين فشلوا فشلا ذريعا حتى بات يركض في المضمار لوحده … نجح لأنه يمتلك ما ليس عند الآخرين، يمتلك قلبا ينبض على وقع الشارع، وأذنا تستمع لصرخاته، ولسانا يقول ما يشفي غليلهم، ونظرات مترعة بالشفقة والحب لهذا الشعب…. أن يكون قادرا على رفع التحدي فهذا أمر آخر، أن يكون على أهبة لاكتشاف الفخاخ التي نصبها في كل مكان أعداء الشعب فهذا أمر آخر، أن يكون مستعدا لمقاومة الفساد القوي والمتمكن فهذا أيضا أمر آخر… المهم أنّ الشعب الذي لا يساوي عند باعة الوهم إلا كومة من الأصوات، يثق في هذا الرجل….لذلك في كل مكان سمعت الفقراء والمهمشين يقولون إذا ما حدثتهم عن القيس السعيد ” ربي ينصروا عليهم” أي ينصره على الفاشلين أي الآخرين جميعا….

د. السيد التوي

عن admin_bilel

شاهد أيضاً

إلى الخياري، لو كان بيركينز تونسيا لضحك حتى بانت نواجذه

ناجى توفيق الحكيم عصاه فقال: “قالت العصا: إنّ لمصر ثلاثة أعداء، قلت: أعرف الجهل والفقر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *