الرئيسية / ثقافة

ثقافة

سفيان بنحسن: السينما وسيلة العرب لقراءة التاريخ، حقيقة أدركها القذافي وغابت عن بورقيبة

يقول مجرم الحرب موشي ديان في حوار له مع صحفي هندي قبيل النكسة أن “العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون و إذا فهموا لا يعملون و إذا عملوا لايستمرون” وذلك تعليقا له على سبب حديثه المفصل لوسائل الإعلام المكتوبة عن خططه العسكرية ، وللأسف فقد أصاب هذا الإرهابي كبد الحقيقة في ما ذهب إليه، إذ تشير الكثير من الدراسات أن العرب يتذيلون قائمة الأمم القارئة وأن الإنسان العربي يقرأ أقل من نصف صفحة من كتاب سنويا بينما يقرأ الأمريكي مثلا أكثر من عشرة كتب في السنة وتصدر دور النشر في بلاد العم سام أكثر مما تصدره كل الدور العربية بنحو خمسين ضعفا، هذا الواقع المرير والمأساوي يوحي بأننا لن نلحق يوما بركب الدول المتقدمة ما لم نعالج هذه الظاهرة الفتاكة والمدمرة لحاضر الأمم ومستقبلها، اليوم باتت قراءتنا للتاريخ القديم منه والحديث ترتكز أساسا على ما يجود به جهاز التلفاز علينا من سلسلات تاريخية ووثائقية تحدثنا عن أخبار الأمم الغابرة، فهل تنجح الشاشة في ترسيخ تضحيات الأسلاف في ذاكرة الأبناء؟

كانت أمة العرب أكثر الأمم نهما للقراءة وترجمة للكتب وإهتماما بالشعر والشعراء، وتعود علاقة العربي بالأدب عموما إلى ما قبل البعثة النبوية الشريفة إلى المعلقات السبع التي كانت تكتب بماء الذهب وتعلق على أستار الكعبة تكريما لأصحابها، وإلى سوق عكاظ أين كان الأدباء يعرضون أعمالهم ويتفاخرون بها في ما بينهم، ثم إلى ترجمات إبن المقفع وإقبال الناس عليها، وصولا إلى المكتبات الكبرى في طليطلة وقرطبة والزهراء في الأندلس الفقيد حتى قيل إن عدد الكتب في إحدى رفوف هذه المكتبات كان يفوق عدد الأعمال الأدبية في كل فرنسا المجاورة. اليوم هجرنا الكتب وفقد الكاتب والعالم والشاعر مقام التكريم والإجلال الذي كان يحظى به، وفقدنا ذاكرتنا وتاريخنا حتى باتت مصادرنا في الإطلاع على أخبار السلف تكاد تقتصر على التلفاز والسينما، وما يعرفه الجمهور عن السيرة النبوية هو ما جاء في فيلم الرسالة للعقاد، وما نعرفه عن سلاطين الدولة العثمانية أن سليمان كان عظيما وكان قصره تديره الحريم وأن أبناءه قد ذهبوا ضحية مكائدهن، هذا هو كِتاب العرب اليوم وبوابتهم إلى الماضي المجيد وهذا هو الطريق الأوحد لنشر فكرة أو بث رسالة أو تخليد مرحلة، وربما علينا إنتظار أعمال فنية أخرى ليعرف العرب من هم يوسف إبن تاشفين ومحمد الفاتح ونورالدين محمود والمنصور إبن أبي عامر وغيرهم من أبطال التاريخ.

تمر بعد أسابيع قليلة ذكرى إعدام المجاهد التونسي البطل “محمد صالح الدغباجي” ولفت إنتباهي أن كثيرا من أبناء الخضراء لا يعرفون تاريخ الرجل الذي آمن بوحدة معركة التحرير العربية وقاتل الفرنسيين في تونس والإيطاليين في ليبيا إلى أن وقع في الأسر وتم إعدامه أمام أهله وعشيرته، ويروى أنه رفض تغطية وجهه وإستقبل الموت بشجاعة نادرة لا تتكرر في التاريخ إلا لماما. إن المتابع لمسيرة الدغباجي يجد تشابها بينها وبين مسيرة الشيخ المجاهد عمر المختار الذي قضى سنوات عمره في ساحات الوغى قبل أن تطاله يد الإرهاب الإيطالي، أحداث متشابهة لبطلين من أبطال التحرير آمنا بعدالة القضية وبحتمية النصر والتحرير، الأول كاد يلفه النسيان لولا الذاكرة الشعبية أما الثاني ففاقت شهرته حدود وطنه وبقي راسخا في أذهان الليبيين والعرب وأحرار العالم كرمز تحرري كانت حياته أطول من حياة جلاديه، مسيرة المختار في جهاده وفي أسره أرّخها العمل السينمائي الضخم “أسد الصحراء” للمخرج الراحل مصطفى العقاد وتمكنت السينما من أن تجعلنا نعيش مع المختار لحظات الجهاد والإنتصار والإنكسار والصمود، والحقيقة أن الزعيم الراحل معمر القذافي هو من نجح في توثيق فترة الكفاح المسلح ضد الإستعمار الإيطالي وهو من نجح في منحنا إلى اليوم جرعة من الأمل بأن المغلوب قد ينتصر إذا ما آمن بصدق قضيته ونحن إلى اليوم ندين في داخلنا للأخ القائد ببذرة الأمل التي تراودنا أحيانا، تمكن القذافي من الحفاظ على التاريخ النضالي للشعب الليبي وحفظه من النسيان في حين عجز بورقيبة عن توثيق سنوات الكفاح المسلح فغابت دروس التاريخ وعِبَره عن أبناء هذ الجيل الذين لا يكاد البعض منهم يعرف الدغباجي أو الجربوع أو بن غذاهم أو الطاهر الأسود، وفي هذا الزمن الذي ينفر فيه العربي من القراءة ويهجر كتب التاريخ والأدب كان لابد من طرق باب السينما لترسيخ ثقافة الصراع ولحفظ صفحة الإستعمار من التلف.

ربما لم يسع بورقيبة لتأريخ سيرة أبطال الكفاح المسلح ليستأثر بمفرده بفضل التحرير، وربما غاب عنه تأثير الفن في مجتمع لا يعرف من الشعر إلا المغنى منه ولا  [social_warfare]من التاريخ إلا ما بثته شاشات السينما لكن الثابت أن للفنون دورا في زرع بذرة الكفاح والأمل في إنتظار عودة الروح لخير الجلساء في الأنام.

<script data-ad-client=”ca-pub-4993304603940182″ async src=”https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js”></script>