الرئيسية / متابعات / المنصف المرزوقي وعبدالرحمان شلقم والمعارضة العراقية قبل الغزو: الجغرافيا كما التاريخ تكرر نفسها أيضا.

المنصف المرزوقي وعبدالرحمان شلقم والمعارضة العراقية قبل الغزو: الجغرافيا كما التاريخ تكرر نفسها أيضا.

في لقاء تلفزيوني لإحدى المحطات البريطانية سنة 1996، وجه الصحفي سؤالا لوزير خارجية العراق العظيم طارق عزيز عن خارطة تعامل النظام مع المعارضة المتمركزة بالخارج فأجاب من فوره: العراق ليس له معارضة في الخارج، سأله المحاور عن هؤلاء الذين يعقدون المؤتمرات في لندن وطهران وغيرها؟ فأجاب عزيز: “هؤلاء ليسوا معارضين، هم مجاميع من اللصوص والقتلة المأجورين والمرتزقة! ولو تسنى لهم حكم العراق سيبيعون أرضه، هم يعملون لصالح الدول التي تمولهم وليس لصالح العراق كما يدعون “، تمر السنوات ويدخل الغزاة بغداد ويُرفع العلم الأمريكي فوق رابية من الجماجم، ويجلس بين يدي الحاكم الأمريكي بول بريمر أولئك الذين عينهم الغرب قادة للمعارضة العراقية. تُرِكَ العراق الجديد في لُجّة الفوضى والحرب الأهلية وإنغمس حكامه في تقاسم الغنائم وفي بيع مقدرات البلاد بلا ثمن لشركات الإعمار وشركات النفط الأمريكية وإنتهى الأمر بالعراق العظيم وهو يستجدي الكهرباء من دول الجوار، وأثبت التاريخ صدق عزيز حين وصف المعارضة بمجاميع من اللصوص وحفنة من المارقين. ولعل من الحيف وضع كل معارضي النظام الوطني العراقي آنذاك في خانة الجواسيس والعملاء ولعل من نوافل القول الإشارة إلى أن في عراق ما قبل الغزو كانت هناك معارضة وطنية تعي جيدا الفرق بين معارضة سياسة النظام الحاكم وبين لعق أحذية حكام الدول المعادية وإستجداء العدوان، وقد تكون مسيرة الراحل عبدالجبار الكبيسي خير مثال على المعارضة الوطنية وهو الذي غادر منفاه في دمشق إحتجاجا على موقفها الداعم لإيران في حرب الخليج الأولى (القادسية الثانية) وهاجم برنامج النفط مقابل الغذاء معتبرا إياه وسيلة قروسطية لتركيع شعب مقاوم، ثم عاد العراق قبل الغزو حاملا روحه على راحتيه وقاوم الغزاة بما إمتلكه من قوة حتى وقع أسيرا بيد قوات الإحتلال.

الكبيسي كان مثالا حيا للمعارضة التي لا تستطيع أن تنسحب من وطنيتها وأن تنضوها عن نفسها، وتاريخه المشرق يعيد إلى الأذهان قصة الجنرال الألماني جلوبز الذي عارض سياسة هتلر وهاجر إلى بريطانيا طلبا للجوء السياسي وأثناء التّحقيق معه رفض إعطاء المحقّيقين البريطانيين أيّ معلومات عسكريّة وكانت إجابته:

أنتم لا تطلبون معارضا لهتلر، أنتم تريدون خائنا لوطنه وأنا لا يمكنني أن أكون خائنا”

رفض جوبلز أن يكون خائنا وخير الموت تحت التعذيب على بيع أسرار بلاده أو التآمر عليها، أما جواسيس العراق وجماعة مؤتمر لندن فسعوا جاهدين لتأكيد أكاذيب كولن باول بإمتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ورقصوا على أنغام القصف الأمريكي لملاجئ المدنيين في بغداد.

في الضفة الأخرى من البلاد العربية وقبيل العدوان على الأمة في طرابلس وقف شلقم رفيق درب معمر القذافي لا كما يقف محمد الدوري أو بشار الجعفري للذود عن أوطانهم أمام العالم وإنما كما تقف مدام كلود وموظفاتها عارضات أنفسهن للبيع، بكى شلقم لا كما بكى عرفات أثناء حديثه عن سقوط قلعة الشقيف بعد ملحمة عسكرية خالدة ولا كما بكى عبدالناصر وهو يستقبل أول سفير سوري بعد إنهيار الوحدة، بل كما بكى عباس وسامح شكري في عزاء مجرم الحرب بيريز، بكى شلقم وطالب، وفي الحلق غصة، المجتمع الدولي بإنقاذ ليبيا وهي نفس الكلمات التي كررها مؤخرا المنصف المرزوقي في شوارع باريس وفي محطاتها التلفزية مطالبا فرنسا بالتدخل “للإعادة تونس إلى نادي الدول الديمقراطية” كأن الإنتقال إلى الديمقراطية لا يأتي إلا من غسق إحتضار السيادة الوطنية، وإن كان موقف شلقم صادما غير متوقع وهو رفيق معمر القذافي منذ الصبى فإن موقف المرزوقي كان منتظرا لمن يعرف تاريخ الرجل ومواقفه خلال كل الأزمات التي عصفت بالأمة العربية، ففي عهده لم تنتظر تونس قيام حكومة مستقرة في ليبيا لتسارع بتسليم البغدادي المحمودي لبلد تنهشه الفوضى والحرب الأهلية، وفي عهده أيضا إستضافت تونس قمة ما سمي بأصدقاء سوريا (فرنسا، الولايات المتحدة، دول الخليج …) وسارع بقطع العلاقات مع الشقيق العربي غير آبه بمئات التونسيين العالقين في سوريا والذين وجدوا أنفسهم غير قادرين على تجديد وثائقهم الثبوتية.

سيذكر التاريخ عن المرزوقي أنه رقص في الشارع حال سماعه بخبر إستشهاد معمر القذافي غير مدرك لحقيقة مفادها أن الشهادة دفاعا عن الأرض والعرض أعظم درجات النصر التي يصبو إليها الأحرار والثوار، وسيذكر التاريخ أنه إستبشر بالغزو الأمريكي للعراق وسيذكر التاريخ أنه دعا فرنسا إلى التدخل في تونس لإرغام الرئيس قيس سعيد على العودة عن حركته التصحيحية، سيذكره التاريخ كما يذكر جماعة مؤتمر لندن من المعارضة العراقية وكما يذكر شلقم أو كما ذكر قديما إبن العلقمي، سيذكره خادما “دون أن يدري” للإمبراطوريات الإستعمارية

نستحضر هنا مقولة ماكيافيلي عن أساليب التوسع ودور الطابور الخامس وفيها يقول “فإن توسع الإمبراطورية متجذر في المسار الداخلي للصراعات التي تكون هذه الإمبراطورية مدعوة إلى حلها”، فهل يدرك المرزوقي وشلقم وجماعة بريمر أنهم يساهمون في التوسع الإستعماري الحديث ويروجون له عن علم أو عن جهل، نختتم هذه الأسطر كما بدأناها بمقولة للراحل الكبير طارق عزيز (مع شيء من التحوير):
“نحن شعب معتز باستقلاله وبسيادته. فكيف يقبل بعملاء يأتون على ظهر دبابة غربية الإرادة لحكم البلاد؟ هذا جزء من الديكور الغربي لتبرير العدوان القادم”

Benhassen.sofiene@yahoo.fr

سفيان بن مصطفى بنحسين

تونس

عن admin_bilel

شاهد أيضاً

حركة النهضة و” أحزاب السّخْرة” بين الام هزيمتهم السياسية الدغدغات الدستورية للرئيس

على ايقاع انتصارات المسار التصحيحي الذي أعلنه السيد رئيس الجمهورية قيس سعيد في 25 جويلية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *